الشيخ السبحاني

6

الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف

ورفض التشتّت والتفرّق ، ويندِّد بالاختلاف والفرقة ، يقول سبحانه : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) . « 1 » فهذا المقطع من الآية الكريمة بإيجازها يتكفّل بيان أمرين : 1 . يأمر بتوحيد الكلمة والاعتصام بحبل اللّه . 2 . يزجر عن التفرّق والتشتّت . وهذان الأمران من الوضوح بمرتبة لا يختلف فيهما اثنان . ومع الاعتراف بذلك كلّه فاختلاف الكلمة إنّما يضرّ إذا كان صادراً عن ميول وأهواء ، فهذا هو الّذي نزل الكتاب بذمّه في غير واحدة من آياته ، يقول سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) « 2 » ، ويقول : ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ) « 3 » ، فهؤلاء اختلفوا بعد ما تمّت عليهم الحجة وبانت لهم الحقيقة ، فهذا النوع من الاختلاف آية الأنانية أمام الخضوع للحقائق الراهنة . وأمّا إذا كان الاختلاف موضوعياً نابعاً عن حبِّ تحرّي الحقيقة وكشف الواقع ، فهذا أمر ممدوح ، وأساس للوصول إلى الحقائق المستورة ، وإرساء لقواعد العلم ودعائمه . إنّ الاختلاف بين الفقهاء أشبه بالخلاف الّذي وقع بين نبيّين كريمين : داود وسليمان - على نبينا وآله وعليهما السلام - في واقعة واحدة حكاها سبحانه في كتابه العزيز وقال : ( وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ

--> ( 1 ) آل عمران : 103 . ( 2 ) الأنعام : 159 . ( 3 ) آل عمران : 105 .